كثيراً ما أناقش عقلي عن ماهية الحاسد وهدفه من حسده، والمثبّط ومقصده من تقبيح الأفعال وتسييئها، إذ تجد الكثير من الناس في شكوى متكاثرة من هجوم الحسّاد عليهم وعلى ما يقومون به في ثنايا حياتهم من عمل ودراسة وسفر وإظهار نعمة محمودة لصاحبها دون أذى للغير، الأدلة الشرعية على ذمّ الحسد ومتعلقاته مشهورة معلومة، ولكن هناك إشارة مهمة تشرح حال الحاسد وسبب حسده ومشاركة المثبّط في تفاصيل أفعاله، الحاسد في حقيقة حاله لا يحب التعالي عليه ومنافسته ومجاوزته في طبقته وحاله إذ يرى نجاح غيره في صميم الأعمال المشتركة انهزام له، فلا يريد غيره منافسته في تلك الخصوصية، ويسعى بكل مقدرة في بذل المجهود لتثبيط كافة الأشخاص المناوئين له فيما هم منافسون فيه، مع العلم أن هجومه هذا هو اعتراف حقيقي بفشله هو ونجاح غيره، فما دام هو فشل في تحقيق هدفه فيرتاح ضميره في رؤية الآخرين يفشلون مثل فشله وأشد، وإن أكرم الله غيره بنعمة هو محروم منها سيرى بأن تلك النعمة كثيرة على الآخرين فيسعد بزوالها لأنه لم يُعطى تلك النعمة، مع أنه لو نظر في خصوصية أحواله سيجد عنده ما يجعله في تمام الرضا، ولكن القهر النفسي يجعله معادياً للجميع وإن هلكوا جميعاً، حمانا الله من عدالة هذا الداء المرير.