كعادة أسفاري رتبت أغراضي لزيارة مصر للمرة السابعة، ومنذ الزيارة الأولى لم أكن أعلم أن التكرار لها سيكون متواتراً متصلاً متسقاً بلا انقطاع طويل، وصلت مطار جدة حاملاً ما نويت عمله في هذه الرحلة القاهرية، قراءة وكتابة وانفراد صحبة، كان الذهاب على تلك الخطوط الاقتصادية غامقة اللون، وطأنا بأقدامنا في ممر السعادة المتصل آخره بباب الطائرة، جميع الركاب في الممر منتظرين إذن دخول الطائرة ولكن ثمّة تغيير مفاجئ لم يخطر لنا على بال، وقفنا منتظرين في ضيق الممر قرابة العشرون دقيقة والمكان لا هواء فيه، بعد تأفف الناس وانزعاجهم أخبرنا موظف الطائرة بعطل مفاجئ سيؤخّر الرحلة قليلاً آمريننا بالعودة جلوساً في مقاعد الانتظار، عدنا وماهي إلا دقائق حتى تم توجيهنا لبوابة أخرى تبعد عن هذه البوابة الحالية مسافة متوسطة، وصلنا البوابة الجديدة وبدأنا في الصعود وسرعان ما وردنا خبر بتغيير البوابة مرة أخرى لجهة متباعدة، وصلنا البوابة الثالثة والتضجّر قد بلغ مبلغه في نفوسنا وظاهر على ملامح وجوهنا، ركبنا بعد سرعة سير وهرولة في أروقة المطار، وصلنا القاهرة قبيل أذان الفجر والهواء يرفرف من كل جانب، سيارات الأجرة في كل مكان وسائقيها يتقصّدون وصول الركاب عارضين أسعارهم وخدماتهم لتوصيلهم، كعادتي وسابق أسفاري لمصر كنت أرفض جميع العروض المطروحة، تلقّفني شاب ذو هيئة مرتبة وأنيق في ملبسه وكلامه، قبل أن يعرض خدمته وسعره للتوصيل سحرني بعذب كلامه، وهكذا أسرني وتملكني وكأنه ضمن صعودي معه، عرض عليّ مبلغه وساومته حتى قرابة نصف سعره الذي طلبه، وافق وذهبنا سوياً لمنطقة وسط البلد مجانب شارع طلعت حرب، كان كل شيء كما يرام وخلدت للنوم تعوضياً من وعثاء السفر من الهجولة، في القاهرة لن يصحو الإنسان بصوت العصافير ولا بهديلها، وإنما يصحو الإنسان الساكن بوسط القاهرة من أصوات أبواق السيارات المتكاثرة، هنا في كل جزء من الثانية يُضرب بوق السيارة ألف ألف مرة ولا أدري مالسبب والداعي لذلك، بسبب وبدون سبب يُضرب بوري السيارة والدباب وحتى الدراجة الهوائية لها بوق يستخدمه سائقها، وحتى الكلاب في الشوارع تارك في إصدار أصواتها عاليةً مشاركة منها مع أبواق السيارات، كعادتي في كل زياراتي للقاهرة لا أهنأ في المكوث بها إلا بالقرب من شعبيتها ووسط أدغالها، منظر الناس خارجين لأعمالهم يأسرني كثيراً وتكاثرهم وتصاميم البيوت القديمة جداً وتلاصقها في بعضها، منظر الصباح هنا كما ألفته في مشاهد مسلسلاتهم القديمة، المقاهي في كل مكان لشرب الشاي والقهوة، المقاهي في الثقافة المصرية مجمع الجميع من جميع أطياف المجتمع بلا استثناء، وأجمل ما يُشرب فيها الشاي الأحمر المعروف بشاي العروسة، لذيذ المذاق بلا مرارة مزعجة، عربات الفول بين كل متر وآخر، عربة تحتوي بين جنباتها جرة الفول وصينية البطاطس المقلي والطعمية المصرية اللذيذة وأقراص الخبز المصري الدائري الماتع في مذاقه، يطلب كل شخص ما يريد من أصناف الإفطار، وبجانب تلك الأطباق شيء من المخلل المكوّن الجزر والليمون المعصفر والخيار الطري والفلفل الأخير متوسط الحرارة، يغويني منظر المخلل على موائد طعامهم، يشاركون به الأطعمة بكل أنواعها وأشكالها، وفي الظهيرة والمساء رائحة لحم الكباب والكفتة والريش تفوح في الأرجاء، وأشهى تلك المشويات بالنسبة لي ( طَرْب ) لحم مثل الكباب وملفوف بقطعة شحم رقيقة يطلقون عليها منديل، هذا الصنف فاخر بكل ما تحمله الكلمة، وهو عندي سيد المشويات المصرية، لا ينافسه في ذلك إلا الحمام المحشي، وأما الملوخية فلا يحتاج الحديث عنها بإسهاب خشية اشتهائها وهي بعيدة عني الآن، وصلت القاهرة هذه المرة فريداً مصطحباً جهازي الحاسوبي وجهاز القراءة الجديد ( كيندل )، قضيت ستة أيام أقضّي ما فات مني في استكمال كتابة بحث الدكتوراه، وكتبت في ستة أيام مالم أكتبه في شهور، وبفضل جهاز الكيندل استطعت قراءة ثلاث كتب قد سوفت قراءتها شهور طويلة، ساعدني الوقت بفضل الله في انجاز مالم أتوقع إنجازه، وفي طرق سيري استمعت لثلاثين ساعة من سلسلة تاريخية في اليوتيوب، ترتيب الأشياء يجعلك تنجز سريعاً، في أحد تلك الأيام وكعادتي أخرج من فندقي أستعذب مناظر المنطقة وتفاصيلها، لفتني دكان صغير لبيع الفسيخ والرنجة، تجاهلته عدة مرات ولكن ثمّة مرة قررت تجربة تلك الأكلة التي يأكلونها، الفسيخ سمك متوسط الحجم معروف عندهم بسمك البوري، بعد غسله وتنظيفه يدهنونه بالملح والفلفل الأسود وبعضهم يضيفون عليه الكركم، يضعونه ذلك السمك بعد التمليح والتتبيل للتخزين ما بين أسبوعين إلى شهر، وبعضهم يجعلونه مخزناً لأشهر عديدة، يقولون كلما زادت مدة التخزين كلما ازداد طعامةً وطراوة، ثم يخرجونه ويقدموه على طبق بلا طبخ ولا شوي وبجابنه البصل والليمون والخبز المصري، قتلني الفضول لتجربته مع اتخاذ كافة الوسائل إن ساءت الأحوال، لقمة فتليها أخرى وأخرى لثلاث وقتلت فضولي الذي سامرته في نفسي لمرات مع الإقرار بعدم العودة لأكله مرة أخرى ، غريبٌ أمره وحاله وحال من يأكلونه والحمد لله كثرة فضل الله ونعمه التي لا تنتهي ولا تحصى، في كل رحلاتي السابقة لابد من الذهاب لمواطن الكتب وأحضانها للبحث عن جديدها، ولكن جهاز الكندل هذه المرة أغناني عن شراء الكتب، جهاز بحبر الكتروني مريح في القراءة وتخزين الكتب، وندمت لتأخري في شراءه وهو صُنع عظيم والحمد لله على جميل صنع الله.