٨‏/٧‏/٢٠٢٦السفر والترحال

من قلق الطائرة إلى هدوء الجزيرة

قبل عامين زرت ماليزيا مفرداً ضارباً عصفورين بحجر، سياحة قصيرة وحضور محفل تخريج حفاظ القرآن في إحدى الولايات، وعاودت الزيارة مرة ثانية هذا العام رفقة زوجتي وابنتي استنشاقاً للهواء النقي وتلذذاً بالمناظر الساحرة، كان اختياري لماليزيا لمزايا عديدة منها الراحة والهدوء وبساطة أهلها وسهولة التعامل معهم، كنت في بدء الأمر ذو خيفة من عدة أشياء لم أجرّبها من قبل وعلى رأسها السفر بالطائرة ساعات طوال ومعي ابنتي ذات أقل من عامين، في سابق أسفاري كثير ما يصادفني في الطائرة أطفال صغار ما بين باكٍ وصارخ، وما بين لاعبٍ لا يبقى في مكان واحد كالاخطبوط يضرب بكلتا يديه يمنةً ويسرة، وما بين نائم في عميق سكونه لا صوت له، وكنت أفكّر في مدى صبر أهاليهم وصبر ركاب الطائرة على ما يواجهه الجميع هنا من اختبار وصبر حتى تحط الطائرة في مقر مرادها، كنت أنا في خضمّ هذا الاختبار الصعب مسافر بابنتي ولا أدري كيف ستكون الأمور في رحلةٍ ذات التسع ساعات حتى الوصول إلى كوالالمبور، صنعت في ذهني أسوأ الأحوال وأسوأ ما سيحصل وجهّزت جميع الخطط التي يمكننا استخدامها في حال ساءت الأمور، ولكن الحمد لله ذهاباً وإياباً كانت الرحلة بابنتي من أجمل ما يكون، لا صوت صارخ يصدر منها ولا فرط حركة ملفت، فقط تحركات طفولية تمارسها بطبيعة حالها لا أذى فيها لنفسها ولمن حولها، حمدت الله كثيراً على هذا الإنجاز وأنجاني الله من شتائم الركاب وسبابهم ونظرات أعينهم الغاضبة من شغب الأطفال، وكعادة كل سفر لا شيء فيه على كمال، فلذة الأسفار في بعض منقصاتها، في مطار جدة وصلنا عن كاونتر الخطوط القطرية إذ هي مقلتنا إلى وجهتنا النهائية مرورا بتوقف قصير في مطار الدوحة الدولي، كعادة رحلات الطيران ذات التوقف أن يُعطى الراكب تذكرتين لكامل الرحلة ولكن موظفة الخطوط أعطتنا تذكرة واحدة دون التذكرة الثانية المتعلقة من الدوحة إلى كوالالمبور، أخبرتنا أنه عند وصولنا لمطار الدوحة نذهب إلى خدمة العملاء لاستلام التذكرة الثانية، تعجبت من هذا الصنيع وسألتها عن السبب فقالت: يظهر عندها الآن في النظام الالكتروني أن الطائرة الثانية ممتلئة بكاملها ولا مكان لنا لتحجزه لنا، عرفت حينها أنه وقعنا في اختبار السفر الحقيقي، وهذه الحركة تحدث دائماً في نظام رحلات الطيران إذ إنهم يبيعون تذاكر أكثر من عدد المقاعد، وقبل الإقلاع بوقت بسيط قد يتغيب من تأكدت تذكرته أو يتعذّر في الحضور لأي ظرف كان، ويُعطى مقعده لمن هو زائد في الحجز، وصلنا مطار الدوحة وكثيرة هي التوقعات التي طرأ في عقلي ماذا سيحصل إن لم نجد مقاعد فعلية في الطائرة المكتوبة في تذاكرنا التي اشتريناها، وتخيلت من أسوأ توقع إلى أفضله، وترجلنا في المطار ذاهبين باين عن المكتب المختص لمساعدتنا في ورطتنا التي لا نعلم نهايتها، وثلاث ساعات طارت في التوتر وإرشادات المطار، وحتى قبل الإقلاع ب ٤٥ دقيقة ونحن لا نعلم عن مصيرنا وذهبنا لبوابة الصعود شارحين لهم ما حصل، وبالفعل لقينا مقاعد نجلس عليها في الرحلة التي عليها تذاكرنا الأصلية عند الشراء، هدأت نفوسنا وتخطينا الاختبار بنجاح والحمد لله، وصلنا العاصمة كوالالمبور في المساء والأمطار تستقبلنا بكل هدوء وسكينة، وهكذا الحال في هذه البلاد الأمطار عندهم فجأة لا إشارات فيها ولا تنبيه، ويهطل المطر صباً سريعاً ثم يتوقف وكأنه لم في الكون من مطر نزل، أمطارهم غيث لا أذى فيها ولا تعب، مكثنا ليلتين في العاصمة نستكشف تفاصيلها ونجوب فيافيها، ثم انطلقنا لليالٍ خمس في جزيرة الهناء والسعادة لنكاوي، هي إحدى أجمل جزر الدنيا، جمال فياض وطقسها غرام، طبيعتها إحدى عناوين الجنان، الهدوء فيها يستجلب الراحة والسكينة والطمأنينة، مجرد الجلوس في هذه الجزيرة تشعر أن الروح تتطهر من جديد، فذلك من آثار الطبيعة والمطر الخلاب، وما يزيد جمال تلك البلاد أهلها وسكونهم ورقة تعاملهم ودهشة ابتسامتهم وسلامة فطرتهم في كل شيء، في كل مكان يتعاملون مع الزائر والسائح وكأنه ضيف في بيوتهم، الابتسامة تعلو محياهم في كل مكان، وصدق الطوية ظاهر لا يخفى عندهم، هدوء في التعامل والحوار، فهذا أمر يجعل الزائر في راحة أكبر وطمأنينة أكثر، طيلة رحلتنا وأنا مندهش من حسن التعامل وبساطة السوية دون تكلّف، فهذا أصل الفطرة السوية ولم تطفهم المادّة الغربية، ومَن تعامل في أسفاره مع الغرب في بلادهم والآسيويون في أرضهم سيدرك الفرق بينهم، عسى الله يديم عليهم أصالة الفطرة، البلاد يقصدها الزوار من كل بلاد الأرض، وحتي القادمون للدراسة فيها فما اكثرهم، لفتني تكاثر أهل الهند والصين عندهم، تجد أهل الهند في كل ناحية وزاوية، ما بين زائر وسائح ودارس وتاجر وذو صنعة وحرفة، وأكثرهم ذو ديانة الهندوس والسيخ، انتشارهم كبير جداً وحتى في موائد الإفطار في الفنادق تجد نصف أصناف الطعام المعدّة لنزلاء الفندق أكثرها أصناف تناسب أهل الهند والصين، وأما طعام أهل البلاد فمناسب لهم ولا يتناسب مع غيرهم، ولكن ثمة طبق عندهم يجذبني أينما أجده ويسيل لعابي حينما أراه، طبق التوم يوم هو طبق آسيوي بامتياز، طبق شوربة بمحتويات بحرية فاخرة، الجمبري والمحّار والأخطبوط الصغير وقطع من السمك وبهارات آسيوية وأعشاب بحرية، وجميع ذلك تُطبخ بحليب جوز الهند وما أجمل هذا الطبق بالفلفل الحار، فهذا غاية من غايات المحبة والغرام، ولعله طبق من طعام أهل الجنة، لأن الجنة فيها ما تشتهيه الأنفس وما لم يخطر على عقل بشر، وأعتقد أن التوم يوم من ذلك الاشتهاء، وعندهم فاكهة يأكلوها ومنتشرة في كل مكان ولكنها كريهة الرائحة، فاكهة الدوريان هكذا اسمها فيما اعتقد، يلقبونها بملكة الفواكة، ولا أدري كيف تكون ملكة وهي بهذه الرائحة الغريبة> وأشبه توصيف رائحتها رائحة البصل الفاسد، ولكنهم يحبونها بعجب ويصنعون الحلوى والعصير وأشياء كثيرة فسبحان الله خالق الأذواق واختلافاتها، وللمرة الثانية ذقت شراب الماتشا وهو شاي أخضر ياباني يشربونه بكثرة ويصنعون منه العصائر والآيسكريم والحلوى وكل ما هو لذيذ، ولكن طعمه غريب فهو كطعم الملوخية الخضراء، يقولون هو مفيد ومتعدد الفوائد الصحية والجسدية، فالحمد لله على نعمة الأذواق، رحلة كانت من أجمل الرحلات النفسية التي يعود منها المرء دون كدر ولا تعكّر مزاج والحمد لله على ما وهب الله وأعطى.

الوسوم:

تدوينات مقترحة