١١‏/٩‏/٢٠٢٦السفر والترحال

في رحاب كانو: من أروقة القراءات إلى عرش السنوسي

للعام الثاني تصلني دعوة مباركة من صديقي الدكتور علي بن عبدالله الأدماوي للمشاركة في لجنة تحكيم مسابقة القرآن الكريم والقراءات العشر المحلية في دورتها الرابعة بجمهورية نيجيريا، بعد تفكير واستخارة توكلتُ على الله مرحّباً، يرافقني هذا العام الصديق الصدوق الفاضل الأستاذ الأديب المقرئ د/ أيمن صفوت سالم حفظه الله.

مسار طيران هذا العام شاقّ لنا ليس كما سبق، ولكل مرحلة ظروفها ومتطلباتها؛ التقيتُ بصديقي الدكتور أيمن بمحطة قطار الحرمين بمطار جدة متوجهين للمدينة المنورة، ركبنا وترافقتنا الأحاديث وحكايات السفر والترحال، كنت قبلها بأسبوع تقريباً عائداً من رحلتي الأوروبية مسبوقةً بالقاهرة وقبلها ماليزيا، وهو كذلك صديقي ذو ترحال لا يتوقف، يسافر بين الفينة والأخرى هنا وهناك استجماماً واستكشافاً، أحاديث السفر حاضرة في أحضاننا حتى وصلنا المدينة المنورة.

انتقلنا بعدها مباشرة لمطار المدينة المنورة الدولي ومنه ننطلق مغادرين لرحلتنا القرآنية، دخلنا المطار والتقينا باثنين من أفاضل الأحبة د/ عمار رمضان ود/ محمد ببانة، وهكذا نكون أربعة أركان في رحلتنا القرآنية، تعرفنا على أربعتنا تعريفاً سريعاً لكسر جمود السفر وجذب روحانية الأخوة وتوطين المحبة، وكان اللقاء في أوله كبواكير الصبح؛ هدوءٌ ووجلٌ خفيف، قبل أن تشرق شمس المحبة وتنبسط بيننا أسباب الأنس.

وقبل الصعود جلس بجانبي رجل وقور تكاثر عليه الناس سلاماً ومحبة، لم ألحظ بداية الأمر مَن هو، ولكن إقبال الناس عليه أخذني الفضول لمعرفة تفاصيله، صوبت عيني إليه مدققاً فتذكرت سريعاً مَن هو: الشيخ الفقيه الفاضل الدكتور علي بن عيسى فاتمي، كان وزير الاتصالات وتقنية المعلومات بجمهورية نيجيريا، جمع الله له بين الحسنيين: دراسة العلم الشرعي بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ودراسة هندسة الشبكات ببريطانيا. عرّفته بنفسي ومقصد سفرتي، فرحّب وهلّل وهشّ وبشّ، وسألني عن دراستي فأخبرته بجوابي، فازداد فرحاً وسروراً وحكى لي حياته ودراسته وعمله وشيئاً من أيامه وزيراً، تناغمنا في الحديث وسلوى الخطاب وكأننا نعرف بعضنا منذ زمن بعيد، وتفضّل عليّ برقمه الخاص وتراسلنا على أمل أن نلتقي مرات ومرات.

ركبنا الطائرة متوجهين من المدينة المنورة إلى مطار أديس أبابا ثم إلى مطار كانو، وصلنا نيجيريا بسلام والحمد لله، واستقبلنا صديقنا الدكتور علي بن عبدالله مع فريق عمله واتجهنا إلى مكان إقامتنا بولاية كانو. الجو حار رطب، والصيف في إفريقيا عموماً يكون جاداً بلا مزاح، ويتدلل بالأمطار فينة وأخرى تجعل الأمر مقبولاً، وبعد طول سفر وانتقال وصلنا مكان إقامتنا وتمت ضيافتنا كما هي عادة أهل تلك البلاد، وفي اليوم الثاني تم نقلنا إلى أفخم فندق في ولاية كانو ذي الخمس نجوم وكلٌ في جناحه.

صبيحة يوم السبت توجهنا إلى جامعة خيرون (KHAIRUN)، وهي جامعة متخصصة في تدريس الهندسة والعلوم والحاسب والطب، أنشأها الشيخ العالم الكبير المقرئ إسحاق رابيو رحمه الله وشهرته بخادم القرآن، وكان رجلاً من معلمي القرآن المتقنين له، وبرز كسابق أسلافه من عائلته في التجارة على مستوى إفريقيا والعالم، وابنه رجل الأعمال عبدالصمد وهو ثالث أغنى رجل بإفريقيا. في رحاب تلك الجامعة أقيمت فعاليات مسابقة القرآن الكريم بمختلف فروعها، وفروعها كالآتي:

١- الفرع الأول: القراءات العشر من طريق طيبة النشر مع التفسير.

٢- الفرع الثاني: القراءات العشر من طريق الشاطبية والدرّة مع التفسير.

٣- الفرع الثالث: القراءات السبع من طريق الشاطبية مع التفسير.

٤- الفرع الرابع: القرآن الكريم كاملاً بروايتي حفص عن عاصم وورش عن نافع مع التفسير.

٥- الفرع الخامس: القرآن الكريم كاملاً برواية ورش عن نافع مع التفسير.

اُفتتحت المسابقة مبتدئين بالفرع الأول وسمعنا ما يُدهش العقول ويحيّر الألباب، طيلة أيام المسابقة ونحن في لجنة التحكيم نسمع عجائب وغرائب من إتقان حفظ وروعة أداء وسرعة استحضار، ورغم عجمة اللسان وصعوبة استحضار اللغة العربية للمتسابقين، إلا أنهم مفخرة عظيمة بتمكنهم من حفظ القرآن وفهمه وكأنه لسان أرضهم. كل متسابق هو حكاية تستحق التدوين ونموذج يستحق الاحتفاء به في كل زمان ومكان.

مرت علينا الأيام سريعةً حتى اختتمنا المسابقة، وكانت الفوارق بين المتسابقين بسيطة والمنافسة شديدة، وفي قانوني هم جميعهم فائزون بلا تردد ولا تفضيل، فما سمعناه يجعلنا نخجل من حالنا والله المستعان. ختمنا المسابقة وتم تكريم ثلاثة فائزين من كل فرع رجالاً ونساءً، والفائز من الفرع الأول شاب لم يتجاوز عمره ١٧ عاماً تم تكريمه وخُلعَ عليه لقب (القوني)، وهذا اللقب يعني المتقن للقرآن حفظاً وفهماً وكتابةً وتدريساً، وهو لقب عزيز جداً لا يُعطى إلا للمتميزين من الحفّاظ في إفريقيا.

كانت أيامنا هنا من أجمل الأيام؛ نحن الأربعة صنعنا أجواء خففت عنّا عناء السفر، وفي جلسات سمرنا نخلع ثياب المشيخة ورسمية العلم ونجلس ببساطة وأخوية ورحابة صدر وطيب خاطر، كل واحد منا في جلساتنا يُفرغ من صدره حكايا ومواقف نضحك من بعضها ونستفيد من غيرها ونندهش من غرابة أخرى. تلك الكيمياء التي توافقت بيننا جعلتنا مقربين لا غرباء، وهذا من أثمن إيجابيات السفر الجماعي، فأعضاء الرحلات إما أن يجعلوا تفاصيلها من أجمل ما يكون ولحظات لا تُنسى، وإما أن تكون الرحلة من سوء المنقلب وكآبة المنظر؛ الدكتور أيمن كان رحيب الصدر غزير المعرفة أديباً في حديثه ومنتقاه، والدكتور عمار نبيلاً كريماً في تفاصيله وأنيساً في ثنايا جلوسه، أما الدكتور محمد ببانة فهو عرّاب سهراتنا، يرسم الضحكة على شفاهنا كثيراً، وما أكثر الأحاديث التي أطلنا الوقوف عندها لجمالها وروعة تفاصيلها.

خلال أيام وجودنا هنا زُرنا العديد من الشخصيات البارزة في المجتمع؛ زرنا رجل أعمال وهو سياسي رفيع الشأن ومقدام في أهله وعشيرته، نسيت اسمه الآن ولكن مجلسه كان جميلاً، ورغم أنه رجل سياسي إلا أن له اهتماماً كبيراً بالقرآن وأهله، رحّب بنا بفصاحة عربية جميلة، وأهدانا مصاحف خُطّت باليد وكانت من أثمن وأجمل الهدايا. ثم زرنا البروفيسور يعقوب، وهو حكاية أخرى تستحق الرواية؛ درس مراحله التعليمية حتى حصل على الدكتوراه في تخصص علم النفس ببريطانيا، وتدرّج في المراتب حتى نال درجة الأستاذية في تخصصه، وبدأ بعدها بحفظ القرآن حتى أتقن حفظه وفهمه، وقرأه على أكابر معلمي القرآن ببلده، فأصبح متقناً للقرآن والقراءات كلها حفظاً وفهماً ورسماً، وكانت جلسته ماتعة رائعة وهو الآن في السبعين من عمره.

ثم ختمنا زياراتنا بأجمل زيارة وأحلاها وأرقاها: زرنا الدكتور محمد السنوسي الثاني، أمير إمارة كانو، وهو الأمير الرابع عشر ممن تعاقبوا على إمارة كانو. شرح لنا تاريخ إمارة كانو القائمة منذ عام ١٨٤٠م وحتى وقتنا الحالي، وفي أصلها كانت تابعة لأمير المؤمنين في صكتو (سكوتو) ثم استقلت بذاتها، ولكن بسبب الاستعمار الإنجليزي تم تفكيك تلك الممالك وجعلها تحت سلطة الحكم الفيدرالي مع بقاء الإمارات بنظمها العرفية وتقاليدها، وما زال المُلك في تلك الإمارات قائماً بقوانين التوريث وولاية العهد، ولهم تأثيرهم العميق في المجتمع وشؤون الحياة.

حكى لنا الأمير محمد السنوسي الثاني تفاصيل حياته؛ فهو بروفيسور وأستاذ جامعي في القانون، وفي المساء يمارس الإمارة والمُلك. حصل على درجتي دكتوراه؛ إحداهما في العلوم المصرفية والمالية من بريطانيا، والأخرى في الدراسات الإسلامية والقانون من المملكة المغربية، وساهم في تأسيس وتطوير عدد من البنوك الكبرى حتى تولى منصب محافظ البنك المركزي النيجيري لسنوات عديدة. أخذنا في جولة داخل مكتبته الضخمة، وهي من أكبر المكتبات الشخصية التي رأيتها؛ تحتوي على مختلف الفنون والعلوم قديماً وحديثاً، وللمجلات الإنجليزية والموسوعات نصيب الأسد منها، فهو قارئ فذّ ومتبحر بارع.

ساعات قضيناها في رحاب قصره يتحدث إلينا بلغة عربية فصيحة كان قد صقلها أثناء دراسته في السودان، وأخذ يطوف بنا في أرجاء القصر شارحاً تفاصيله، حتى انتهى بنا المطاف ضيوفاً في مكتبته يقدّم لنا الشاي بيده، وهو أمر غير مألوف في تقاليدهم وبروتوكولاتهم الخاصة، ولكنه استراح في حديثه معنا وانبسط في حكاياته، حتى خيّل إلينا أننا في فيلم وثائقي بديع من حسن بيانه وبراعة منطقه.

قصر الإمارة يعود تاريخ أساساته إلى نحو ٥٠٠ عام، ويُرمم باستمرار للحفاظ على طرازه العريق. وفي كل خطوة يخطوها الأمير يحيط به حرّاسه والمسؤولون؛ حراس بلباس مهيب يغلب عليه اللون الأحمر في غاية الفخامة والترتيب، يتقدمه بعضهم يحدون بعبارات التبجيل والفخر لمقامه. ويمشي الأمير متوشحاً أثواباً فاخرة مما لا يرتديه سوى الملوك والأمراء في غرب إفريقيا؛ ملابس تُستوحى تصاميمها من ألوان الطبيعة وتناسق ريش الطاووس والطيور وزهور الأرض، ولكل لون وملمس مقصد ومغزى يدركه العارفون بفنون الأزياء الإفريقية وتراثها. ومن عاداته ألا يصافح أحداً باليد، بل يحييه الناس إجلالاً من مسافة بالانحناء أو الجلوس أمامه، ثم يرد عليهم تباعاً، أما نحن ضيوفه فقد خصّنا بمصافحة قوية مفعمة بالترحاب والتهليل.

وبعد هذه الزيارة الحافلة أهدانا هدايا فاخرة وودعنا بكل حفاوة وتكريم، فجزاه الله عنا خير الجزاء. خُتمت رحلتنا بأجمل ما ينبغي وخير ما يكون، وكلنا أمل أن تتجدد هذه الزيارات بمثل هذا اللطف والجمال، فلله الحمد دائماً وأبداً.

الوسوم:

تدوينات مقترحة

جاري تحميل التعليقات...