اللهم بك أصبحنا وبك أمسينا وبك نحيا وبك نموت وإليك النشور، يا فتاح عليم يا رزّاق يا كريم، ومع أذان الفجر أقلعت الطائرة من القاهرة إلى جدة لاستراحة قصيرة ثم الإقلاع لوجهة أخرى وتجربة جديدة، عرقلات السفر في المطارات تكاد تكون شبه دائمة حتى يعتاد المرء عليها دون تأفف وتعايش مع الأمر، في الأصل أن موعد إقلاع الطائرة الثانية عند الساعة ٠٨:٥٠ صباحاً، ولكن ثمّة مجريات جعلت موعد الإقلاع متأجّلاً لأربع ساعات قادمة، امتلأت صالات المطار بالمسافرين حتى كاد لا يوجد موضع قدم يُوطأ في تلك الصالات من شدة الازدحام، تنامى إلينا أن في الأمر خطبٌ ما نجهله، ننظر في ساحات المطار لا إقلاع ولا هبوط، يا رب سلّم سلّم، الساعة الآن ١٢:١٥ ظهراً توجهنا للصعود آذنين بالسفر والحمد لله، خمس ساعات ونصف لنصل وجهتنا القادمة، هبطنا في مطار باريس الدولي ومجهزٌ حالي بازدحام صالات الوصول واكتظاظ القادمين من مختلف دول العالم، هكذا قال من سبقوني في تجاربهم القديمة والحديثة أن رحلات الوصول لمطار باريس تكون كثيرة جداً ويمكث المرء من ساعتين إلى ثلاث منذ خروجه من الطائرة وحتى مغادرته المطار مروراً بمكاتب الجوازات واستلام الحقائب.
نزلت من الطائرة توجهت لمكتب الجوازات ولا أحد أمامي مستغرباً متعجباً، موظف الجوازات شاب إفريقي الأصل بشرته سمراء أقرب للسواد وشعر رأسه أشقر في كثيره وأسود في قليله، سألني من أين أتيت ومدة الجلوس هنا ورأى المستندات ثم سلمني الجواز والأوراق بابتسامة متوسطة الجمال مرحباً بإقامة جميلة وماتعة، لم يستغرق الأمر سوى ثلاث دقائق تقريباً، وصلت عند الحقائب وإذا بالحقيبة وصلت قبلي، استلمتها وخرجت دون مواجهة ازدحام، ليست كل التجارب متطابقة، في السفر كل شيء مختلف من تجارب وبشر وأجواء وطبيعة وكل شيء.
ركبت القطار متوجهاً إلى محطة الحافلات للذهاب لدولة مجاورة، منذ وصولي باريس وأنا في دهشة من كل شيء، ظننت في الوهلة الأولى أني سافرت لدولة في قارة إفريقيا وليس لدولة في أوروبا، في باريس الأفارقة بكثرة عجيبة، وصلت محطة الحافلات وركبت الحافلة للمكوث سبع ساعات ونصف للدولة الثانية، انطلقنا والأجواء ليلاً جميلة جداً، على أذان الفجر وصلنا هولندا مدينة أوتريخت، قابلت شخصاً لم أره منذ زمن بعيد جداً، لقيت حامد الذي غاب وجهه عني كثيراً، لقيني بحضنه الغريب لبعيد، آخر مرة لقيته عام ٢٠٠٤ م كان معنا في حلقات التحفيظ وكان شقياً شقاء لا مثيل له، تغربل في الدنيا كثيراً وغربلته الأحوال من جميع الجهات، تكبّد في الدنيا المتاعب والصعاب بكل الصور والأشكال، آخر محطاته هنا هولندا منذ خمس سنوات وأصبح الآن مواطناً هولندياً بالقانون.
جلسنا وتحادثنا كثيراً جداً بلا كلل ولا ملل، يفرغ لي من أحاديثه وتجاربه وقسوة الأيام معه، ولكن مع كل ذلك كان يشاهد الفرج والفتح العجيب من الله ولا يدري ما السبب، كان يقول أنه يعرف خفايا نفسه ولا يستحق هذا التيسير من الله، من خلال محادثاتي معه تأملت في تفاصيل حروفه ووجدته ولمح الله لي أسباب تيسيره أحواله له رغم مشاق الصعاب، حان أذان الفجر ودخلنا مسجداً قريباً من مكاننا، مبنى بطرازٍ شامخ جميل جداً، دخلنا المسجد الظاهر لنا بتصميمه العثماني التركي، صلّى بنا إمام تركي لابساً عمامته العثمانية وعباءته الزهيّة، رتّل لنا القراءة كما ينبغي أن تكون القراءة، اتضح لي أن المسجد تابع للجالية التركية، وهم كثيرون هنا في هولندا، ومتميزون في جميع أحوالهم وأنشطتهم الحياتية، وجودهم قديم متكاثر.
أوتريخت مدينة صغيرة هولندية جميلة الأوصاف رائعة المناخ مدهشة التفاصيل، مع بزوغ الصباح والطقس جميل جداً، تجولنا في المدينة ورأينا تفاصيلها وتقاسيمها والشيء الكثير من معالمها، الطبيعة تحيط من كل حدب وصوب، والمباني السكنية متلاصقة وعمرها مئات السنين وكأنها قريبة عهد البناء، هنا أكثر الناس يسيرون بالدراجات الهوائية أكثر من السيارات، الشوارع مهيأة للدراجات الهوائية في كل مكان، الطقس والهواء والبيئة وتصميم الشوارع كلها عوامل مساعدة لاستخدام الدراجات دون السيارات، الشعب الهولندي في طبيعة حاله مسالم منشغل بنفسه أكثر من انشغاله بغيره، الجاليات التركية هنا كثيرة وكذا الجالية الصومالية وقليل من أهل اليمن السعيد، العاصمة أمستردام جميلة بتفاصيلها المتعددة، يتكاثر فيها السياّح من كل حدب وصوب لتفاصيل سياحية متوفرة عندهم أكثر من غيرهم، ولكنها بلدة غالية المستلزمات، وأكثر ما يسوء تلك البلاد معاونتهم ونشرهم لثقافة المتلونين، أصحاب الأعلام الملونة تجد الأعلام الملونة منصوبة في كل الطرقات والمباني، حتى المباني الحكومية بجانب علم البلاد بعده مباشرة العلم الملّون، عافانا الله من هذا الداء والبلاء، مما تتميز بها هولندا الأجبان بكافة أشكالها وأنواعها، وأعتقد أن تلك الأجبان من ألذ الأنواع التي ذقتها في حياتي، وبعضها بأسعار عالية ويتم تخزين بعضها لأوقات طويلة.
خمسة أيام قضيتها في هولندا وكانت من أجمل الدنيا راحة وسعادة واستجماماً، عشرون عاماً بين هذا اللقاء وآخر لقاء بيني وبين حامد، وكأنه كان يلحظ مجيئي لزيارته وأفرغ الكثير من أحاديثه الماتعة ومغامراته المتعددة الشاسعة، تذاكرنا أيام الصبا وشغب التحفيظ ومصير الكثير من الأشياء، إذا ساد علينا الصمت أخذنا نلعب طاولة الشطرنج فحامد عبقريٌ فيها وأنا غبت عن ممارستها الوقت الطويل، وعدت الآن أستجمع شيئاً من مهاراتي مع حامد.
فجر اليوم السادس غادرت هولندا وكلي شوق وأمل لملاقاته مرة أخرى في خير ولطف وعافية، توجهت صوب باريس مستقلاً الحافلة، وصلت باريس وكأني في الوهلة الأولى أشعر أني في إحدى المدن السياحية في قارة إفريقيا، الأفارقة هنا كثيرون جداً خاصةً أفارقة غرب إفريقيا وشمالها، تجدهم في كل مكان بجميع طبقاتهم وأحوالهم وتعدداتهم العرقية، لا أبالغ إن قلت أن الزائر لباريس للوهلة الأولى يظن أنه في مدينة إفريقية، أخذت أتجول في شوارعها وميادينها وأزقتها ومعالمها العجيبة الغريبة، أستخدم مواصلاتها العامة للذهاب في كل الجهات القريبة والبعيدة، والقطار هنا هو الأقل ثمناً في التنقل، قيمة التذكرة ٢٫٥٥ يورو ما يعادل ١١ ريالاً للتذكرة الواحدة.
وأكثر ما آنسني في باريس زيارة مكتباتها العامة، فهي من أجمل ما يُزار لمحب الكتب والقراءة، مكتبات باريس هي من أضخم وأكبر المكتبات العامة في العالم، حين زيارتي لمكتبة باريس العامة تذكرت صديقي السنغالي حينما حكى لي تجربته في نقل صفحات مخطوط مخزون في مكتبة بباريس، كان ممنوعاً عليه الدخول بالورق والجوال لنسخ المخطوط الذي يريده ومسموح له الاطلاع فقط ولا شيء غير ذلك، ولكن صديقي كان ذو ذاكرة حادّة جداً، يقرأ صفحة المخطوط أكثر من خمسين مرة ثم يخرج من المكتبة وقد أودع دفتراً وقرطاساً في شنطته الصغيرة في خزينة الأمانات قبل الدخول، يُخرج الدفتر والقلم ويبدأ مباشرة بكتابة صفحة المخطوط الذي قرأه بالداخل أكثر من خمسين مرة، وهكذا استطاع نسخ ما أراد، ولكن المؤسف أن الكثير من الكتب في مكتبات أوروبا تم جمعها بالنهب والسرقة إبان الاستعمار من دول إفريقية كثيرة، وهذا منذ سنين طويلة، وبعض الكتب كان الأوروبيون يبعثون مراسيلهم لأصحاب تلك الكتب في بلدانهم عارضين عليهم المبالغ المالية الضخمة التي لا يحلم بها صاحبها، والحاجة تُجبر الشخص لبيع ما عنده، وبعضها تُؤخذ بالقوة والإكراه، وهذا تفاصيله مبثوثة في كتب التاريخ عن المكتبات التاريخية المنهوبة عبر الزمان.
لهفني الشوق لاسترجاع شيء من تفاصيل الطفولة، زرت ملاهي ديزني لاند الواقعة في ضاحية باريس، وهي ملاهي كبيرة الحجم كثيرة التفاصيل، تقصدها العائلات والأفراد من كل مكان ولا يوجد مثلها في العالم إلا في باريس وأمريكا، الساعة العاشرة صباحاً وأنا على مدخل ملاهي ديزني وظننت أني من أوائل القادمين ودُهشتُ من كثرة الجموع صغاراً وكباراً وحتى كبار السن لهم حظ ونقيب في الملاهي، من الصباح وحتى مغرب الشمس والوقت يجري بلا شعور والمغريات هنا كثيرة والاستمتاع بالأقسام والأشياء من أجمل ما يكون.
مع كل صباح في باريس تنساق لأنوفنا رائحة الكرواسون، لذيذ الرائحة والمذاق، شهيٌّ جداً ورائحته هي أجمل رائحة يستنشقها أنفك في باريس، ولا شيء أجود رائحة من غيره سوى العطور المشهورون بصناعتها، لأنهم شعب يجيدون صناعة العطور بمختلف أصنافها وأشكالها ولكن كثقافة أوروبية لا يستخدمون العطور إلا في النادر جداً، التجربة الفرنسية الأولى لي ماتعة بكافة تفاصيلها وتستحق العودة مرات ومرات، وليس كل التفاصيل المشاهدة على أرض الواقع تُقال وليس كل شيء يمكن قوله، وبعض الجمال يُشاهد بالعين فقط لا غير.